صديق الحسيني القنوجي البخاري

439

فتح البيان في مقاصد القرآن

جمال ظاهر ، وثياب حسنة مع كونهم أولاد رجل واحد ، فنهاهم أن يدخلوا مجتمعين من باب واحد ، لأن في ذلك مظنة لإصابة العين لهم والعين حق فأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة ، وكان لمدينة مصر يومئذ أربعة أبواب ، وقال السدي ؛ أراد الطرق لا الأبواب ولم يأمرهم بالتفرق في الكرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين في الكرة الأولى . ولم يكتف بقوله لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ من قوله وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ لأنهم لو دخلوا من بابين مثلا كانوا قد امتثلوا النهي عن الدخول من باب واحد ، ولكنه لما كان في الدخول من بابين مثلا نوع اجتماع يخشى معه أن تصيبهم العين ، أمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة . قال النخعي : أحب يعقوب أن يلقى أخاه في خلوة ، قيل وكان قد علم أن ملك مصر هو ولده يوسف عليه السلام إلا أن اللّه لم يأذن له في إظهاره ذلك ، فلما بعث أبناءه إليه قال لهم ذلك القول ، والأول أولى ، أعني أنه خاف عليهم العين ، وبه قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وجمهور المفسرين . وقد أنكر بعض المعتزلة كأبي علي الجبائي واتباعه أن للعين تأثيرا إنكارا بليغا ولم يذكروا في إنكاره شبهة فضلا عن حجة ، وليس هذا بمستنكر من هؤلاء فقد صار دفع أدلة الكتاب والسنة بمجرد الاستبعادات العقلية دأبهم وديدنهم ، وأي مانع من إصابة العين بتقدير اللّه سبحانه لذلك . وقد وردت الأحاديث الصحيحة بأن العين حق « 1 » وأصيب بها جماعة في عصر النبوة منهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأعجب من إنكار هؤلاء لما وردت به نصوص هذه الشريعة ما يقع من بعضهم من الإزراء على من يعمل بالدليل المخالف لمجرد الاستبعاد العقلي ، والتنطع في العبارات كالزمخشري في تفسيره ، فإنه في كثير من المواطن لا يقف على دفع دليل الشرع بالاستبعاد الذي يدعيه على العقل حتى يضم إلى ذلك الوقاحة في العبارة على وجه يوقع المقصرين في الأقوال الباطلة والمذاهب الزائفة . وبالجملة فقول هؤلاء مدفوع بالأدلة المتكاثرة وإجماع من يعتد به من هذه الأمة سلفا وخلفا ، وبما هو مشاهد في الوجود ، فكم من شخص من هذا النوع الإنساني وغيره من أنواع الحيوان هلك بهذا السبب ، وقد اختلف العلماء فيمن عرف بالإصابة بالعين ، فقال قوم يمنع من الاتصال بالناس دفعا لضرره بحبس أو غيره من لزوم بيته ،

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الطب باب 36 ، واللباس باب 86 ، ومسلم في السلام حديث 41 ، 42 ، وأبو داود في الطب باب 15 ، والترمذي في الطب باب 19 ، ومالك في العين حديث 1 ، وأحمد في المسند 1 / 274 ، 294 ، 2 / 222 ، 289 ، 319 ، 420 ، 439 ، 487 ، 4 / 67 ، 5 / 70 ، 379 .